في أيام آبائنا وأجدادنا كان الآباء يجتمعون مع الأبناء في الأمسيات يتبادلون الحديث , وكانوا يجتمعون على الطعام في كل موعد .. أما اليوم فهناك أنشطة تشغل الأبناء بعد المدرسة أكثر من ذي قبل فلا يجدون وقتاً للتواصل مع آبائهم وأمهاتهم .. كما لا يجد الآباء وقتاً لهذا التواصل لانشغالهم هم أيضاً ... بل أصبح تناول الأسرة للطعام مجتمعه شيئاً من الماضي ..!! وهكذا انقرضت اللقاءات العائلية وتلاشى التواصل بين الآباء والأبناء ؟ !! وإذا نظرنا إلى البرنامج اليومي للسواد الأعظم من الآباء وجدنا أنهم يقضون ساعات طويلة خارج المنزل , وحين يعود الفرد منهم من عمله يعود منهكاً , وقد استنفذت طاقاته النفسية , وكثير منهم يعودون بعد أن يكون الأطفال الصغار قد استغرقوا في النوم , كما أن كثيراً منهم يذهبون إلى أعمالهم قبل أن يستيقظ أبناؤهم !! ولا يصح أن نتجاهل صعوبة كسب العيش بالنسبة إلى معظم الناس , كما لا يصح أن نستهين بالثواب العظيم الذي ينتظر الكادحين في سبيل تحصيل لقمة العيش , لكن حين نعلم أن توجيهنا لأبنائنا وإشرافنا عليهم هو الأساس وهو المحور , فإننا سنبحث عن الوقت الذي نجلس فيه معهم , ولن نقول أننا مشغولون جداً . إن أبناءنا لا شأن لهم بانشغالنا أو نجاحنا في أعمالنا .. إنهم يحتاجون منا إلى الحب والرعاية والحنان والاتصال الدائم ..إنهم لا يحتاجون منا إلى التركيز الدائم على توفيرنا المال لهم , أو أننا نكد ونكدح لأجل سعادتهم .. إنهم يريدون تواصلنا معهم .. إنهم يحتاجون هذا التواصل .. ونحن نبخل عليهم به , ولا ندرك أن البخل ليس بالمال فقط , بل البخل الأكبر هو البخل في التفاعل مع الأبناء والتواصل معهم ومشاركتهم في اللعب والعمل , والصبر عليهم أثناء هذا التواصل .. وممارسة دور المربي في حل مشكلاتهم , وإشعارهم في ذات الوقت بوجودنا وتأثيرنا ... وفي خلال كل ذلك تعليمهم أن الصداقة مع الآخر والتواصل معه أمر جيد وضروري .. وتعليمهم في ذات الوقت أن أكبر صديق لهم يجب أن يكون أنفسهم .. بمعنى أن شعورهم بذاتهم ينبع من داخلهم وليس من خلال من يعرفون من أصدقاء. إن الكثير من الآباء يقضون كل أوقاتهم في العمل , وعندما يأخذون أبناءهم في نزهة مثلاً فإنهم لا يكفون عن التحدث في الهاتف النقال أو التحاور مع الآخرين حول مشكلات العمل . ومن هنا فإن النصيحة التربوية .... لا تستخدم المال بديلاً عن العاطفة , لا تعطي لابنك المال الذي يطلبه لأنك لا تستطيع أن تجلس معه , ولو لمدة نصف ساعة تسأله عن شؤونه وتفيض عليه بعاطفة الأبوة .. فمهما كثر ما تعطيه لأبنائك من مال أو من توفير الإمكانات الكثيرة في الحياة , فإنهم سيظلون يتوقعون اللمسة الإنسانية منك عبر تواصلك الطيب معهم .. فهذه اللمسة لا يمكن أن نعوضهم عنها مال ولا إمكانات مادية حياتيه . فهكذا كان رائد التربية الأول صلى الله عليه وسلم .. فقد كان يتوفر لصحابته في معظم الأحيان , في المسجد , في السوق أو الطريق , فإن لم يكن ذهبوا إلى بيته , وكان صلى الله عليه وسلم يستقبلهم , ويعلمهم , ويجيب على أسئلتهم , ولم يكن من عاداته حجب الناس عنه أو ردهم بل كان يستقبلهم , ويبتسم لهم دائماً . فإذا صارحنا الابن بما يدور في عقله وما يختلج في نفسه فيجب أن نكون له بمثابة الطبيب الذي يداوي الجرح باللمس الرقيق .. فنحاول أن نجد له المبرر لتصرفه إن لم يرق لنا هذا التصرف , ونبقي له على بصيص من الأمل يحيا به , ويبعده عن اليأس والقنوط ... فإذا استشعر الحب والحنان , فإن باستطاعتنا عنده أن نرده إلى جادة الصواب بحكمة وروية . إنه لابد للأب من وقت يقضيه مع كل ابن على حده يتناول معه وجبة غذاء خارج البيت , أو يمارس معه رياضة المشي ... يشعره فيه أنه يقدره , ويستمع إلى ما تنطوي عليه نفسه من مشاعر , وما يشغل عقله من تساؤلات . إننا – كآباء ومربين – إذا أردنا أن يتعلم أبناؤنا الدروس النافعة في حياتهم فإن طريقنا إلى ذلك هو التواصل الفعال معهم , وعدم الاقتصار على ما يتعلمونه في المدارس . إن تقييد عقول أبنائنا بالدروس من الصباح إلى المساء دون أية ممارسات أخرى لا يخرج رجالاً عظاماً بقدر ما يخرج مقلدين مهرة . ولا تجعل حديثك معهم مناقشة فكرية عميقة , وإنما مجرد " دردشة " لتعميق العلاقة بينكم . لقد باتت الحاجة اليوم لوجود ما يمكن أن نطلق عليه اجتماعاً عائلياً بين أفراد الأسرة حتى لو لم يستغرق سوى ساعة واحدة , ولم يتكرر سوى مرة واحدة في الأسبوع .. تبحث فيه مشكلات العائلة , ويشعر فيه الأبناء أنك " قائد " العائلة . إن هذه الاجتماعات في غاية الأهمية للتواصل مع الأبناء , ومعرفة التزاماتهم وأعمالهم خلال الأسبوع , ومناقشة وحل مشكلاتهم قبل استفحالها. ويجب مراعاة بعض القواعد في هذا الاجتماع ومنها : 1 – البدء والانتهاء في الوقت المحدد . 2 – عدم مقاطعة أحد خلال حديثه .. 3 - عدم انتقاد أو السخرية من الآخر أو من مشاعره ... 4 - إعطاء كل فرد الحق في المشاركة . 5 - يجب أن يشمل الاجتماع كل الأولاد مهما صغر سنهم , وحتى سن متقدمه من عمرهم , مما يساعد الأولاد على التعرف على الأساليب الصحيحة للتفاهم , وأساليب السماع مطولاً وملياً وعن كثب لأكثر المشاكل المطروحة اجتماعياً أو عملياً . وأساليب المناقشة المثمرة التي تعود بالنفع على الجماعة , مما يساعدهم على مجابهة الحياة بكل ثقة ونجاح . ولا نريد أن نعيد هنا التأكيد على أنه من الأهمية بمكان أن يسود اجتماعات التواصل مع الأبناء جو من الظل والمتعة , وألا تكون جلسة كئيبة , بل نشارك الأبناء الضحك , ونتجنب الاستهزاء بما يقولون مهما كانت غرابته , ونلمس الجوانب الطيبة في نفوسهم , لنجد أن هناك خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول وهلة ! .